تُعدّ الأردن طرفًا موقعًا على اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها لعام 1958، كما لديها تشريعات وطنية تُمكّن من تنفيذ الأحكام والقرارات الأجنبية. إلا أن إجراءات التنفيذ تخضع لشروط شكلية وإجرائية، ورقابة من المحاكم الأردنية، مع وجود أسباب محتملة لرفض التنفيذ. وفيما يلي تحليل قانوني مفصل لآلية التنفيذ في الأردن، والاعتبارات العملية، والمخاطر ذات الصلة.
1. الأساس القانوني ووضع الاتفاقية
صادقت المملكة الأردنية الهاشمية على اتفاقية نيويورك لعام 1958، وبذلك التزمت بالاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها وفقًا لأحكام الاتفاقية.
وفي الأردن، يُعد قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية رقم 8 لسنة 1952 («قانون التنفيذ») الإطار التشريعي الرئيسي الذي يحكم الاعتراف بالأحكام القضائية الأجنبية وقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها داخل المملكة.
وبموجب قانون التحكيم رقم 31 لسنة 2001 وتعديلاته، تُعد القرارات الصادرة وفقًا لأحكامه «ذات حجية الأمر المقضي به»، وتكون قابلة للتنفيذ متى استوفت الشروط الإجرائية المنصوص عليها. وقد نصت المادة 52 من قانون التحكيم على وجوب التزام القرارات القابلة للتنفيذ بأحكام هذا القانون.
newyorkconvention.org
وقد اعتبرت المحاكم الأردنية، في العديد من السوابق، أن لاتفاقية نيويورك أولوية على التشريع الوطني فيما يتعلق بتنفيذ قرارات التحكيم.
Global Arbitration Review+1
2. أنواع القرارات والأحكام الخاضعة للتنفيذ
بموجب قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية الأردني لسنة 1952، يمتد مفهوم «الحكم الأجنبي» ليشمل، إلى جانب الأحكام القضائية التقليدية، ما يلي:
- الأحكام المالية (التي تقضي بدفع مبالغ مالية)،
- الأحكام المتعلقة بالأموال المنقولة،
- قرارات التحكيم، شريطة أن تُعامل هذه القرارات كأحكام قضائية في الدولة التي صدرت فيها.
وعليه، يجوز الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها في الأردن متى استوفت متطلبات القانون الأردني وأحكام اتفاقية نيويورك الخاصة بالاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها.
3. إجراءات التنفيذ
3.1 طلب الاعتراف (الأمر بالتنفيذ)
تبدأ الإجراءات بتقديم طلب إلى محكمة البداية المختصة لطلب الاعتراف («إكسكواتور») بالحكم القضائي الأجنبي أو قرار التحكيم. ويجب أن يُرفق بالطلب المستندات التالية:
- نسخة من اتفاق التحكيم،
- أصل قرار التحكيم أو نسخة مصدقة عنه،
وترجمة عربية مصدقة لقرار التحكيم واتفاق التحكيم إذا لم يكونا محررين باللغة العربية، على أن تكون الترجمة صادرة عن مترجم محلف.
- ولا تقوم المحاكم الأردنية بإعادة بحث موضوع النزاع، وإنما يقتصر دورها على التحقق من استيفاء الشروط القانونية الإلزامية، بما في ذلك:
- تبليغ الأطراف تبليغًا صحيحًا،
- اختصاص هيئة التحكيم أو المحكمة الأجنبية اختصاصًا صحيحًا،
- أن يكون الحكم أو القرار نهائيًا وملزمًا،
- وألا يخالف التنفيذ النظام العام في الأردن.
ومتى توافرت هذه الشروط، تصدر المحكمة قرارًا يقضي باعتبار الحكم أو قرار التحكيم الأجنبي قابلًا للتنفيذ داخل المملكة.
4. أسباب رفض الاعتراف والتنفيذ
تُقرّ المحاكم الأردنية بأن الأصل هو تنفيذ الأحكام الأجنبية وقرارات التحكيم، وأن الرفض هو الاستثناء. ومع ذلك، فقد حدد قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية لسنة 1952 وقانون التحكيم لسنة 2001 أسبابًا معينة يجوز بموجبها رفض الاعتراف أو التنفيذ، وهي في مجملها متوافقة مع مبادئ اتفاقية نيويورك.
ومن أبرز هذه الأسباب:
- عدم الاختصاص، إذا لم تكن للمحكمة الأجنبية أو هيئة التحكيم ولاية صحيحة بموجب قانونها الحاكم.
- العيوب الإجرائية، إذا لم يتم تبليغ الخصم الخاسر تبليغًا صحيحًا أو حُرم من حقه في الدفاع.
- عدم نهائية القرار، إذا كان الحكم أو القرار لا يزال قابلًا للطعن أو غير نهائي في دولة المنشأ.
- الغش، إذا ثبت أن الحكم أو القرار صدر نتيجة وسائل احتيالية.
- مخالفة النظام العام والآداب، إذا كان التنفيذ يتعارض مع النظام العام أو القيم الأخلاقية المعمول بها في الأردن.
- المعاملة بالمثل، في حالة الأحكام القضائية الأجنبية، حيث يجوز رفض التنفيذ إذا كانت الدولة الأجنبية لا تنفذ الأحكام الأردنية. (ولا يُطبق هذا الشرط عادة على قرارات التحكيم المشمولة باتفاقية نيويورك).
- نقص المستندات، إذا كانت الوثائق الإلزامية غير مكتملة أو مقدمة على نحو غير صحيح.
وبوجه خاص، فإن أسباب الطعن في تنفيذ قرارات التحكيم تتطابق إلى حد كبير مع الأسباب الواردة في المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك، بما في ذلك بطلان اتفاق التحكيم أو الإخلال بالإجراءات أو مخالفة النظام العام الأردني.
ويُذكر أن للمحاكم الأردنية سلطة تقديرية في تنفيذ جزء من القرار إذا تبين أن جزءًا آخر منه فقط يخالف النظام العام.
3.3 تنفيذ الأحكام والقرارات القابلة للتنفيذ
بعد الاعتراف بالحكم الأجنبي أو قرار التحكيم من قبل المحاكم الأردنية، يتم التنفيذ وفقًا للإجراءات المنصوص عليها في قانون التنفيذ رقم 25 لسنة 2007، وهي ذاتها الإجراءات المطبقة على الأحكام الوطنية، وتشمل:
- الحجز على الأموال المنقولة أو غير المنقولة العائدة للمدين وبيعها،
- حجز الديون أو المستحقات للمدين لدى الغير،
- الحجز التحفظي على الأموال وفقًا للمادة 141 من قانون أصول المحاكمات المدنية،
- تعيين قيّم أو اللجوء إلى وسائل إنصاف أخرى في حالات معينة.
- ويُنفذ الحكم من خلال دائرة التنفيذ التابعة لمحكمة البداية التي أصدرت قرار الاعتراف.
4. اعتبارات عملية ومخاطر رئيسية
عند السعي إلى التنفيذ في الأردن، ينبغي على الأطراف مراعاة ما يلي:
النهائية وقابلية التنفيذ في الخارج، إذ يجب أن يكون قرار التحكيم نهائيًا وفقًا لقانون مقر التحكيم، وقد يُرفض التنفيذ إذا كان القرار لا يزال محل طعن.
الترجمة والتصديق، حيث يجب تصديق جميع المستندات وإرفاقها بترجمة عربية مصدقة.
- الرقابة على النظام العام – قد ترفض المحاكم التنفيذ إذا كان الحكم أو القرار مخالفًا للنظام العام الأردني، لا سيما في المسائل المتعلقة بالأخلاق أو الشريعة أو القطاعات المنظمة.
- مبدأ المعاملة بالمثل – بالنسبة للأحكام القضائية الأجنبية، يشترط القانون الأردني المعاملة بالمثل، في حين يُستبعد هذا الشرط غالبًا بالنسبة لقرارات التحكيم الخاضعة لاتفاقية نيويورك.
- المدد الزمنية – رغم أن قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية لا يحدد مدة تقادم موحدة، إلا أن دعاوى التنفيذ تخضع عمومًا لمدة التقادم البالغة 15 سنة وفقًا للقانون الأردني.
- التكاليف والضمانات – قد تطلب المحكمة، في بعض الحالات، تقديم كفالة أو ضمان لتأمين أي أضرار محتملة في حال إلغاء التنفيذ لاحقًا.
- التنفيذ الجزئي – يجوز للمحاكم الأردنية تنفيذ جزء من القرار مع استبعاد الأجزاء المخالفة للقانون المحلي أو للنظام العام.
- الطعن بالاختصاص – كثيرًا ما يعترض المدينون على الاعتراف بزعم عدم اختصاص الجهة الأجنبية أو الإخلال بحقوق الدفاع.
- التنفيذ بحق الغير – لا يجوز التنفيذ على الغير (مثل الأشخاص المرتبطين بالمدين) إلا إذا نص الحكم أو القرار صراحة على ذلك أو أجازه القانون صراحة.
5. مقارنة: تنفيذ قرارات التحكيم مقابل الأحكام القضائية الأجنبية
تستفيد قرارات التحكيم من الحماية التي توفرها اتفاقية نيويورك، والتي تحد من نطاق الرقابة القضائية وتوفر إطارًا أكثر قابلية للتنبؤ في التنفيذ. وقد أكدت المحاكم الأردنية باستمرار أولوية الاتفاقية في هذا المجال.
أما الأحكام القضائية الأجنبية، فتُنفذ بموجب قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية لسنة 1952، الذي يشترط المعاملة بالمثل ويمنح المحاكم سلطة تقديرية أوسع.
وعمليًا، يُعد تنفيذ قرارات التحكيم في الأردن أكثر سهولة وموثوقية من تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية، متى استوفيت المتطلبات الإجرائية.
6. النهج القانوني المقترح
يُنصح دائمًا بإدراج بنود تحكيم قوية (تحديد مقر التحكيم، والقانون الواجب التطبيق، والتنازل عن الحصانة) بدلًا من الاعتماد على الاختصاص القضائي الافتراضي.
وفي قضايا التحكيم، يُستحسن إعداد مستندات التنفيذ المسبق، بما في ذلك صلاحيات الشطب والحجز على الأصول، لتسهيل التنفيذ في الأردن.
كما يُنصح بالتفاوض على بنود الاستقرار وتغيير القوانين والتعويض لتقليل مخاطر الرفض لأسباب تتعلق بالنظام العام.
وعند السعي إلى تنفيذ أحكام قضائية أجنبية، يجب تعزيز ملف الطلب بإثباتات قوية للاختصاص والتبليغ والنهائية وعدم مخالفة النظام العام الأردني.
كما يُوصى بالاستعانة بمحامٍ محلي منذ مرحلة طلب الأمر بالتنفيذ ومتابعة إجراءات التنفيذ بصورة استراتيجية.
